أبي منصور الماتريدي
48
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي : خسروا بما وعدوا في الآخرة من النعم الدائمة بترك اكتسابهم إياها ؛ إذ قد أعطوا ما يكتسبون به نعم الآخرة ، فاكتسبوا ما به خسروا ذلك ؛ فهو كقوله : فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ [ البقرة : 175 ] أي : ما أصبرهم على اكتساب ما به يستوجبون النار . والثاني : [ قد ] « 1 » خسروا [ . . . ] « 2 » . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 46 إلى 49 ] وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ ( 46 ) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 47 ) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 48 ) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ( 49 ) وقوله - عزّ وجل - : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ : « إما » حرف شك ، وكذلك حرف أو ، لكن يكون تأويله - والله أعلم - على حذف إما وإضمار حرف « إن » كأنه يقول : إن أريناك إنما نرينك بعض ما نعدهم لا كل ما نعدهم ، أو نتوفينك ولا نرينك شيئا « 3 » . أو أن يكون قوله : إن نرينك بعض ما نعدهم أي : لقد نريك بعض ما نعدهم ؛ وهو كقوله : إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [ الإسراء : 108 ] ، فعلى هذا التأويل يريه بعض ما يعدهم ، ولا يريه « 4 » كل ما وعدهم . وعلى التأويل الأول إن أراه إنما يريه بعض ذلك ولا يريه شيئا . فإن قيل : حرف « إما » حرف شك وكذلك حرف أو كيف يستقيم إضافته إلى الله ، وهو عالم بما كان ويكون وإنما يستقيم إضافته إلى من يجهل العواقب ؟ !
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) بياض في الأصول . ( 3 ) وقال ابن عطية : ( ولأجلها ، أي : لأجل زيادة « ما » ، جاز دخول النون الثقيلة ، ولو كانت « إن » وحدها لم يجز ) أي : إن توكيد الفعل بالنون مشروط بزيادة « ما » بعد « إن » ، وهو مخالف لظاهر كلام سيبويه ، وقد جاء التوكيد في الشرط بغير « إن » كقوله : من تثقفن منهم فليس بآئب * أبدا وقتل بنى قتيبة شاف قال ابن خروف : أجاز سيبويه : الإتيان ب ( ما ) ، وألا يؤتى بها ، والإتيان بالنون مع « ما » ، وألا يؤتى بها ، والإراءة هنا بصرية ؛ ولذلك تعدى الفعل إلى اثنين بالهمزة ، أي : نجعلك رائيا بعض الموعودين ، أو بمعنى : الذي نعدهم من العذاب ، أو نتوفينك قبل أن نريك ذلك ، فإنك ستراه في الآخرة . قال مجاهد : فكان البعض الذي رآه قتلهم ببدر ، وسائر أنواع العذاب بعد موته . ينظر : المحرر الوجيز ( 3 / 123 ) ، واللباب ( 10 / 344 ) . ( 4 ) في أ : يريهم .